ذلك الثامن من مارس، الذي اختاره لنا الغيورون على المرأة منذ عقود موعدا سنويا للاحتفاء بها. سمعنا و استوعبنا، و منذ سنوات صرنا ننفذ باقتناع. في غفلة منا يعود كل عام ذلك المتذاكي، ليحدثنا بدون خجل عن غياب العمق. ذلك الغبي الذي لازال في العام ألفين وواحد و عشرين، عاجزا عن إثبات قدرات لا يمتلك منها إلا استصغار خطوات الآخرين على بساطتها و رمزيتها. ذلك الشخص الذي يحن لزمن كانت فيه العقلية الذكورية عنوانا للفشل، و بقدرة مزور صارت فئات واسعة تبجل ذلك الفشل.
في هذا الباب أمقت كل من يحن لذلك الزمن الذي لا يشرفني شخصيا، و لا يشرف المحيطين بي، لأنه ببساطة يستحق الدفن. أحتفل بالمرأة في عيدها، و الثامن من مارس فرصة لتتذكر و أتذكر و نتذكر الرفيقات و الزميلات و الأخوات و الصديقات و القريبات و الفاعلات الجمعويات و المناضلات، و في مقدمتهن أمي.
أمي التي علمتني كل شيء إلا العيش بدونها... حين أعثر في طريقي أو في سطور مترامية هنا و هناك على ذكر يحتقر الثامن مارس، أحمد الله صباحا لأني لا أتوفر على أخ، و أشكره مساء عندما أتذكر بأن لي فقط أخوات أعول على كفاحهن اليومي.
أترك حياتي جانبا، و أركز مع الحرفة التي عقدت قراني بها منذ سنوات طويلة، و في كل يوم أحس بالفخر حين أعتمد على زميلات يمنحن المهنة حقها أكثر من ذكور يؤمنون بأفكار نتنة. طوال سنوات، كنت أعتمد على المجتهدات منهن، و أنأى عن أخريات عليهن ما عليهن.
في مجال الإشتغال أيضا، لن أنسى بأن كثيرا من الأفلام المحترمة للسينما التي شاهدت في وطننا، تحمل توقيع مخرجات ذكيات، و من ضمنهن ليلى الكيلاني و ياسمين قصاري و مريم بنمبارك و خولة بنمبارك... لن أعطي اليوم أمثلة لأن الأمثلة تقتل المعنى، و تمنح ذلك المتذاكي الغبي الذي تحدثت عنه في بداية الركن فرصة ليبني حجاجه الواهي و الضعيف.
سيضيع الأسلوب مع أمثاله، لأن الأسلوب أصلا امرأة جميلة و هي التي تختار من تحب. حين نحتفل بالثامن من مارس، فالغرض هو التذكير بأن العقلية الذكورية مجرد سم. هو سم لا يقتل، لكنه ينتشر بسرعة في كل الأجساد التي تتحرك و تعتقد بأن القرار يملكه رجل يخضع في الخفاء لامرأة، و ينتقص من أخريات في العلن.
جاء عام كورونا، و اكتشفنا بأن كثيرا من نساء المغرب يغامرن أكثر من عديد من رجال يتحدثون عن العمق، رغم افتقادهم للشكل و المضمون. في الثامن من مارس، أشاهد و أرى بلدانا كثيرة تتأهب لتذكر و تحذر من زمن بائد كانت فيه حقوق المرأة مهضومة. إعلامهم أعد العدة منذ فترة للموعد، في حين جاءت القناة الرسمية الجزائرية أول أمس لتتحفنا مجددا بنقاش تافه يعتبر الثامن من مارس بدعة، و بأن بكائيات المرأة لا تجدي نفعا. لو مرر نفس المضمون في بلدان كثيرة تهتم فعلا بالمضمون، لشكلت فضيحة ما بعدها فضيحة. يقصف الناس بالشعبوية، و يتهكم على المرأة و يضحك الحضور، و يغادرون البلاطوهات البئيسة بسلام فيما بعد. هو زمن مسخ بامتياز..
لست حاقدا و لا ناقما، لكني أنبه إلى أن الزمن الذي كانت تستأسد فيه العقلية الذكورية قد ولى و لا يمكنه أن يعود، لأنه لا يستحق أن يعود. سيقول نبيه بأنه كلام جميل شكلا و لا عمق فيه، و سأجيبه بهدوء لا أتوفر على جرعات كبيرة منه.. أفتخر بأنه كلام جميل شكلا، أما العمق فقد نلت اعتراف امتلاكي له من طرف الكبيرات و الكبار منذ أعوام.
لا أحتاج لاعتراف الطارئين و الطارئات، و كل عام و نساء المغرب، و في مقدمتهن أمي المكافحة بألف خير و السلام.