لست غاضباً بسبب إقصاء من نصف نهائي المونديال، لأني لن أنسى ابداً أني كنت بالأمس القريب أقصى أحيانا في اللقاء الإفريقي الفاصل المؤهل لأرقى مسابقة عالمية. الآن تغيرت الامور، والآن صار المنتخب المغربي الأول قاريا وعربيا الذي يدخل نادي الاربعة الكبار. لست غاضباً، بل هي فقط مسألة شموخ مغربي صنعه وليد وأبناؤه..
كتبت السطر الأول في الدقائق الأخيرة من ليلة الأربعاء، وبعد ذلك مزقت قطعة الورق في الدقائق الأولى من صباح الخميس. الارتباك لا يليق بي، لأني أصير سوداوياً، وفي الوضع الحالي يُفترض أن أكون واحداً من أسعد الناس في العالم. المنتخب المغربي بلغ المربع الذهبي في كأس العالم، وهذا الإنجاز قد تعيش قارة بأكملها سنوات طويلة أخرى دون أن تعيشه مجدداً. أتناول قطعة ورق أخرى، لأدون عليها افتخاري بما صرح به جوزي مورينيو ويورغن كلوب بخصوص أبناء بلدي، وأجدد الشكر لهيرڤي رونار الذي قال بصوت عال، ما تخوف من قوله كثير من مترددين آخرين. جوزي مورينيو عدد نقاط قوة المنتخب المغربي، وتحدث بشكل خاص عن أوناحي، ويورغن كلوب الذي يبدو بأنه يعرف قدرات نجومنا أكثر مما كان يعرفها وحيد هاليلوزيتش، وإيكر كاسياس احتج بطريقته الخاصة على ضربة الجزاء التي حَرمنا منها الحكم المكسيكي ولم يستفق على إثرها سكان قاعة الڤار. على قطعة الورق، أخط أيضا سطراً آخر يخص التخريجة غير المقنعة التي أخفق جاميل دبوز في تمريرها. له الحق في الاختيار، لكن ليس له ولغيره الحق في التلاعب بالكلمات خلال لقاء كرة. هناك رجال يُفضون بما يروج في دواخلهم، دون أن يتوجسوا، ودون أن يتخوفوا من ردات الفعل. في هذا التوقيت بالذات، سيتذكر المغاربة كل أولئك الكبار حقا ممن آمنوا بالوافد الجديد على نادي كِبارِ الكِبار في العالم. لهذا السبب هم كبار، ولهذا السبب بقي صغار كثر من المحيطين بنا يشاهدون ويتألمون في صمت، ويعاقبون بعضهم البعض في كل مرة يصفق فيها أحدهم للإنجاز التاريخي غير المسبوق. نحن لا نشبه غالبية المحيطين بنا، وهي نقطة قوتنا. حين نتوحد، وحين نركز على نقاط قوتنا، يعسر على أي كان أن ينتقص من قدرنا.
أغادر البيت ليلا بعد أن جمعت هذه الكلمات في هذه السطور، وأبحث عن قطعة ورق أخرى داخل سيارة استقبلت جسدي، وتقبلت وضعي النفسي. سأنتشي مجددا، وسأفرح كثيراً لأني لا زلت لحد الآن غير قادر على استيعاب ما عشناه ونعيشه. أنا ابن بلد يصفق له كل عقلاء الكرة الأرضية، وما حدث ويحدث حاليا، يجعلني لا أتوفر على وقت أخصصه للحمقى. سأضحك على تفاهاتهم لاحقاً، وفي الوقت الراهن أنتبه فقط لكل الحب الصافي الذي يفصح عنه مئات الملايين عبر أنحاء العالم للمغرب. كارلو آنشيلوتي نوه، وألبيرتو زاكيروني تكلم، والمخرج العالمي سپايك لي نشر راية المغرب التي رأيتها قبل أيام في كل أنحاء جدة في العربية السعودية. كبار قادة العالم، في مقدمتهم جو بايدن، ثم إيلون ماسك، ونجوم الدرجة الأولى سرعوا الخطى لتهنئة المغرب. هناك أيضاً أبناؤنا الذين نحبهم، ومن ضمنهم العزيز جدا جاد المالح الذي كان كعادته على رأس قائمة من عبروا عن حبهم لبلدهم المغرب الذي يستحق أن يحب. قبل أن ينطلق المونديال بأيام، صرح في لقاء ال"إف ب إم" الذي أتشرف بإعداده وتقديمه، بأنه يثق في قدرات صديقه المقرب وليد الركراكي، وفي منتخب بلاده. حين عبر المنتخبان المغربي والفرنسي لمباراة نصف للنهائي، سئل عن رأيه، وبدون تردد اختار الأرض التي ازداد وكبر فيها.
أعود للبيت في حدود الرابعة صباحاً، وما يهمني هو أن بلدي المغرب، ترك الجميع خلفه، وانضم لقائمة الكبار. هذا هو الخبر، وهذه هي المعلومة التي يبدو بأننا لم نستوعبها بعد. لدينا الوقت الكافي للاستيعاب، ولدينا بالخصوص الوقت الكافي للاستمتاع. في هذه اللحظة، سأحاول فقط أن أنام قليلا، وإن كنت متيقنا بأنني لن أتوفق في هذا المسعى. ليس هناك مشكل، سأنام فيما بعد. يكفينا حاليا أننا فتحنا الباب أمام قارة بأكملها، لم يكن لمنتخباتها الحق في أن تحلم باقتحام نادي الأربعة الكبار. أيقظنا منتخبات قارتنا وعالمنا العربي، وذكرنا العالم بأن المغرب هو ذلك البلد العظيم الذي يأخذ دائما المبادرة. وليد قدم درساً في الحياة لكل العرب والأفارقة، إن كانوا يفهمون الدروس. ركن الغد قد يحمل نفساً آخر، وتلك قصة أخرى لا داعي للخوض فيها حاليا.
أنت مغربي، ابن هذا البلد العظيم؟ هنيئا لك، ومن الآن أنتظر لقاءنا السابع في المونديال أمام كرواتيا يوم السبت. احتفلنا، وتأسفنا على عدم العبور للنهائي، لكننا سنحتفل مجددا بعد انتهاء المنافسة. نحن أسياد الكرة في العالم العربي وإفريقيا، وهذه الجملة هي الخبر الوحيد المؤكد. الخلف مستعد من الآن للبحث عن بطاقة العبور للنهائي مستقبلا، والبلد الذي تأهل باستحقاق لنصف النهائي سيمُرُّ لا محالة للنهائي، وسيفوز يوماً ما في النهائي. قالوا عن الجيل الحالي بأنه يصنع الخيبات، وذكَّرُوه مثلما ذكَّرُونا صباح مساء بإنجاز العام ستة وثمانين. الجواب لم يتأخر، والجيل الحالي سجل افضل إنجاز إفريقي وعربي، لن يتنكر له إلا جاحد أو حاقد، وقانا الله وإياكم من الإثنين معاً، والسلام.